سيد محمد طنطاوي

297

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الحديث . وقد يتعدى بنفسه إلى المفعولين كما هنا إذ المفعول الأول ضمير المخاطبين ، والثاني قوله * ( وَعْدَه ) * . وقوله * ( إِذْ تَحُسُّونَهُمْ ) * معمول لصدقكم أي صدقكم في هذا الوقت وهو وقت قتلهم وقوله « بإذنه » متعلق بمحذوف لأنه حال من فاعل « تحسونهم » أي تقتلونهم مأذونا لكم في ذلك . فالجملة الكريمة تذكر المؤمنين بما كان من نصر اللَّه - تعالى - لهم عندما أقبلوا على معركة أحد بقلوب مخلصة ، ونفوس ثابتة وعزيمة صادقة . . ثم بين - سبحانه - أما ما أصابهم من هزيمة بعد ذلك كان بسبب فشلهم وتنازعهم فقال - تعالى : * ( حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ ) * . والفشل : بمعنى الجبن والضعف ، يقال فشل يفشل فهو فشل وفاشل والتنازع : التخاصم والتحالف . والمعنى : ولقد صدقكم اللَّه وعده في النصر - أيها المؤمنون - عندما كنتم تقاتلون أعداءكم بإيمان صادق ، وإخلاص اللَّه - تعالى - حتى إذا ضعفت نفوسكم وعجزتم عن مقاومة أهوائكم وتنازعتم فيما بينكم ( أنتبع الغنائم نجمعها أم نبقى في أماكننا التي حددها الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لنا ) ؟ ومال أكثركم إلى طلب الغنائم مخالفا أمر الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من بعد ما أراكم اللَّه في أول المعركة من نصر مؤزر تحبونه وترجونه ، ومن مغانم تتطلعون إليها بلهفة وشوق . حتى إذا فعلتم ذلك منع اللَّه - تعالى - عنكم نصره ، وتحول نصركم إلى هزيمة وفقدتم أنفسكم وما جمعتموه من غنائم . وهكذا نرى أن ما أصاب المسلمين في أحد من هزيمة كان بسبب فشل بعضهم وتنازعهم وعصيانهم أمر رسولهم صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وصدق اللَّه إذ يقول : واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً « 1 » . ولقد رتب اللَّه - تعالى - ما حدث من بعض المؤمنين في غزوة أحد ترتيبا دقيقا ، يتفق مع ما حصل منهم وذلك لأنهم حدث منهم - أولا - الفشل بمعنى العجز النفسي عن الثبات والصبر . ثم ترتب على ذلك أن تنازعوا فيما بينهم ونتج عن هذا التنازع أن ترك معظمهم مكانه ونزل إلى ميدان المعركة لجمع المغانم ، ثم ترتب على كل ذلك معصيتهم لأمر رسولهم وقائدهم صلَّى اللَّه عليه وسلَّم .

--> ( 1 ) سورة الأنفال الآية 25 .